حسن حسني عبد الوهاب

466

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين

أنتم يكدّر ما تعطون منّكم * واللّه يعطي فلا منّ ولا كدر لا حكم إلا لمن تمضي مشيئته * وفي يديه على ما شاءه قدر ومن ألطف ما يؤثر عن كرم خلقه ما رواه تلميذه ابن حرزهم المتقدم قال : كان أبو الفضل يلبس البياض ويخيره على جميع الألوان ، فدخل عليه مرة شاب من طلبة العلم ، وبادر بالسلام عليه فأراق - صدفة - دواة الحبر على ثوب أبي الفضل . وخجل الطالب أيّ خجل من فعلته : فقال له أبو الفضل على البديهة مزيحا عنه الخجل : " كنت أقول أيّ لون أصبغ به هذا الثوب ، فالآن أصبغه حبريا " وتجرد منه وبعث به إلى الصباغ . وتروى عنه حكايات ومناقب تدل على علو مرتبته في العلم والتقوى والصلاح . وتحول أبو الفضل من المغرب الأقصى سنة 494 ه إلى المغرب الأوسط ، وتجول في أنحائه ، وكأنه أقام برهة في مدينة تاهرت وأقرأ فيها النحو ، ومن تلاميذه بها أبو محمد عبد اللّه بن سليمان بن منصور التاهرتي ، واستقر آخرا في قلعة بني حماد ، وكانت إذ ذاك قد عمرها أمراء بني حماد الصنهاجيين عمارة تذكر بزخرف معالم القيروان وقت عنفوانها ، فازدهرت بالعلوم والآداب وقصدها ذوو الغايات من جميع الجهات . واستوطن أبو الفضل القلعة على رأس القرن السادس وأقرأ في جامعها علم الكلام والأصول ، قال محمد بن حماد الصنهاجي : كان أبو الفضل ببلادنا المغربية كالغزالي في العراق علما وعملا . ويظهر أنه كان يتردد من هناك على مسقط رأسه توزر لزيارة أهله بها ، فكان ينزل في دارهم وهي المعروفة الآن باسم خلوة أبي الفضل وهي قريبه من جامع توزر العتيق ، وقد زارها العياشي حين مروره إلى الحج في عام 1057 ه كما ذكره في رحلته 2 . ومن القلعة عزم أبو الفضل على التوجه إلى الحجاز لأداء الفريضة ، قيل : إنه لما أراد السفر كتب إليه أهله من توزر : لمن تتركنا ، فراجعهم ببطاقة كتب فيها : إن الذي وجهت وجهي إليه * هو الذي خلّفت في أهلي لأنه أرفق منّي بهم * وفضله أوسع من فضلي